الخميس، أيار 25، 2006

أوراق النعوة الطائفية تعتقل الكاتب ميشيل كيلو

في في مقاله المنشور على القدس العربي، والموزع على أكثر من موقع أنترنيتي تحت عنوان " نعوات سورية " الرابط:http://www.free-syria.com/loadarticle.php?articleid=3853
يكون ميشيل كيلو، قد ارتكب غلطة الشاطر، باجتيازه خط النار في تناول المحظور، مثلث المحرمات: الطائفة، العائلة، والعسكر، في مد إصبع الإتهام إلى الجرح الطائفي، بل بالقبض على المتهم، الطائفية، بالجرم المشهود.
ببراءة غير بريئة، أراد ميشيل كيلو أن يأتي السلطة ـ و التي يعرفها جيداـ هذه المرة من حيث يؤلم، ليس على طريقة أبا علاء المعري، حين أشار إلى أن " في اللاذقية فتنة ما بين أحمد والمسيح"، بل على طريقة ابن اللاذقية، " مدينة آبائي وأجدادي" باختزال الفتنة في مشهدها الدرامي القابع في تلافيف الدماغ و اللاوعي الثقافي المتناسل أبا عن جد، التجلي في شكل التعبير عن العادي من الأمور العادية في حياة الكائنات الاجتماعية، أوراق نعي الموتى، ذات الدلالات المكشوفة التي تظهر المخفي في أعماق الباطن.
نقل السيد كيلوفي مقاله البسيط السهل،" الفتنة " من بين أحمد والمسيح ، إلى حيث هي الحقيقة التي تصفع ما بين أحمد وعلي ممثلين لجماعتين وثقافتين متنافرتين في الشكل وفي المضمون وتبدتا في الأسماء والأوجاع، في الدلالات وفي المنابع ما بين الريف والمدينة بين العلويين الجبليين والسنة المدينيين بين أوراق خشنة الطياعة والحروف وأخرى مرتبة مطبوعة على نموذج محدد، بين طائفة تتخندق في السلطة بحشد عساكرها بين ظهرانيها مطية لسلطة طالت وتمادت وطائفة أخرى مدينية مجتمعية تعيش على هامش السلطة بعيدا عن الاتكال عليها تعيش ثقافتها وعقيدتها الروحانية الحضارية في حين نقيضتها الريفية تتعايش والسلطة والعسكريتاريا الامنية عالة على الحياة والحضارة مرتعا لاستيلاد مكاسب أشبه ما تكون بالنهب المنظم للسلطة والدولة.
من خلال الكاميرا البصرية، لمشهدية واحدة تتراءى في أشكال ومضامين أوراق نعي الموتى، أتقن ميشيل كيلو ـ المعتقل لحظة كتابة هذه السطورـ نطقها بروعة في مواجهة المدينة السنية " اللاذقية "، وغيرها من المدن المدن السورية في مواجهة " الريف " العلوي المتبدى في حشود السلطة بين ظهراني طائفتها بالقول، وكأنه يقوم بعملية تحليل سيكولوجي لعصبيتين واحدتها نقيضة الأخرى بالضرورة والممارسة:
" .. تتسم أوراق نعي الريفيين بعدم الترتيب، وبكثير من الفوضي في توزيع مكوناتها وفي نوع حروف الطباعة الخشنة المستعملة فيها، والورق الأقرب إلي الأصفر الذي تطبع عليه ""...في حين تكون أوراق النعي المدينية مرتبة ومطبوعة وفق نموذج محدد"" ..غير أن ظاهرة مهمة لطالما لفتت نظري ...، هي أن أبناء الريف يكونون في أغلب الأحيان من العسكريين، بينما تربط أبناء المدينة علاقة بعيدة وواهية بالجيش، حتي ليندر أن تلمس وجود عسكري ما في أوراق النعي الخاصة بهم، بينما تكاد أوراق النعي الريفية تخلو، من جانبها، من وجود أي مدني، إلا في ما يتصل في الحالتين بالمسنين، الذين كان عمرهم يوم الثامن من آذار/مارس ثلاثين أو أربعين عاما، فلم ينخرطوا في سلك العسكر! "
تتبدى، هنا، الدلالة الأعمق والأوضح في مناقضة المنبت السني المديني، للعلوي الريفي الجبلي، لجهة العلاقة بسلطة البعث، التي حشدت حشدها منذ انقلاب آذار 1963، وتحديد الدورة التطوعية بالجيش، التي سميت ب "دورة آذار البعث" حين التحق بالمؤسسة حشد كبير من العلويين ممن يحملون شهادة ابتدائية وما فوق، في أكبر عملية سطو و استيلاء طائفية على السلطة فعلا، وليس كما ينظر بعض اليساريين من أتباع وأنصار السلطة في أن الوجود العلوي في الجيش، يعود لظروف تاريخية، اقتصادية بحتة.
أن "... ورقتي النعي تفترقان في كل شيء بعد المقدمة، .... واقع وحياة أبناء الريف، الذين يعيش معظمهم علي ريع السلطة وخاصة العسكري منه.. "،...كما لو أنه وثيقة رسمية، طبائع الأمور في بلد تستقطب سلطته أبناء الريف..." ـ العلوي طبعا، ـ ".. في الجيش والأمن خاصة، وتمنحهم وظائف ومراكز قيادية في دوائرها ومرافقها الرسمية، ... وما يتفرع عنها من دوائر وأجهزة، في حين يعتمد أبناء المدينة علي أنفسهم ومواردهم الخاصة غالبا، حتي ليعتقد المرء أنهم يعيشون خارج أية علاقة مع أي شيء رسمي أو سلطوي، ويستغرب كيف تمكنوا من البقاء علي هامش وخارج سلطة تمسك بكل شيء وتقرر كل شيء في بلدهم، وكيف حققوا التقدم المادي الذي بلغوه، مع أنهم يعيشون خارج عالمها الرسمي: الذي هو موزع الأرزاق الرئيسي علي الريفيين." الخطوط تحت الجمل من عندنا وليست في الأصل.
"...تقول ورقة النعي الريفية، بعد الآية الكريمة، إن الفقيد هو العقيد أو العميد أو المقدم فلان الفلاني، وأن أبناءه هم ـ بحسب رتبته ـ المقدم أو الرائد أو النقيب أو الملازم أول نضال أو ثائر أو كفاح أو رفيق أو خليل أو إبراهيم أو إسماعيل أو حسن أو علي... الخ . بينما ستجد بين اخوته مدرسا أو معلما أو عضو قيادة شعبة في الحزب أو محاميا أو قاضيا أو مهاجرا، دون أن يبطل ذلك الطابع العسكري الغالب علي الأجيال الجديدة من أسرته أو علي من يمتون إليها بصلة. فاتني القول: إن ورقة النعي تخبرنا أن الصلاة علي روح الفقيد ستتم في جامع القرية، وان العزاء فيه سيقبل يوم كذا وكذا في بيته الريفي، مع أنه ربما يكون ولد في المدينة ومات فيها، ولم يمض أو يعمل غير أيام قليلة في الضيعة.
في حين أن "... أوراق النعي المدينية، ... تتكرر في كل منها هي الحاج أو الشيخ أو التاجر أو المهندس أو الطبيب أو الأستاذ... الخ... من رجال البر والتقوي والخير والإحسان، في حين تعكس أسماؤهم بدورها نزعة دينية سادت خلال السنوات الأربعين الماضية لدي معظم أبناء المدينة، فالمتوفي هو محمد جمعة أو محمد غالب أو محمد سالم ـ أو أي شيء من هذا القبيل ـ وأبناؤه هم بالتأكيد محمد مصطفي، ومحمد عبد الله، ومحمد نديم، ومحمد رجاء، ومحمد واصل، ومحمد حسيب، ومحمد طه، ومحمد خالد، ومحمد عمر... الخ، بينما يوجد دوما اسم فاطمة وخديجة وزهراء وعائشة ومؤمنة وتقية وسميه وآمنة وآية بين أسماء بناته وقريباته، وعبد الستار وعبد الله وعبد الغفور وعبد الرحمن بين أسماء أصهاره واخوته وأبناء أعمامه وأخواله، مشفوعة علي الغالب بصفة الحاج أو الشيخ أو البار أو التقي".
"... تفضح الأوراق حقائقه المؤسفة والخطيرة، التي تكونت خلال السنوات التي قالت السلطة فيها إنها تبني عالما من المساواة والإخاء والحرية والمواطنة، وتمحو الفوارق بين الريف والمدينة. عندئذ، ستهز رأسك بأسي، وستخشي ما تشي الأوراق به من مصير بائس ينتظر وطنك، وستترحم علي نفسك، خاصة حين تبحث عبثا في أوراق النعي عن شيء يشي بوجود زواج أو قرابة بين المدينة وريفها، وبين محمد علي وعلي محمد، فلا تعثر علي أثر لأي منهما.."
أن المقارنة المناقضة، التي يقيمها ميشيل كيلو، بين محمدات، وعليات، واستقطابات عسكرية، ومدينية. سلطوية، ومجتمعية. بين الأخلاق والانتماء والثقافة ونقيضها، كمن يجري مقارنة بين شيخ جليل في لباسه الأبيض وبين جلف عسكري ، مقارنة، تشي بالمحظور المنشور غير المذكور المشدود إلى نقطتي جذب متانفرتين كتنافر السلطة وخطابها الوطني، الذي أدى إلى هذا الافتراق الكبير الغريب للقوقعة الريفية عن مدينة وثقافة بتاريخ وإرث مدينة اللاذقية المتوسطية المنفتحة على ثقافات وأرياح شتى، وتتبدى القتامة المستفزة لسلطة كسلطة آل الأسد، حين يواجه جامع العجان في اللاذقية بجامع " قرداحة" في دلالته المفضوحة على سلطة لا تحتاج إلى ما يفضح عريها العاري، حين يقول:
"... صار من الضروري جدا أن يقبل رجالها ونساؤها العزاء بعلي محمد في جامع العجان وسط المدينة، ومحمد علي في جامع القرداحة!"
بعد هذا الذي سجل، هل لنا أن نتساءل لماذا إذا، اعتقلت السلطة السورية الريفية لأهل قرداحة، ميشيل كيلو؟، بعد فاتح جاموس، وهما، الإثنان، ما أكثر ما حاولا الأخذ بيد هذه السلطة العائلية الريفية، لتخطو خطوة ولو بسيطة بالإصلاح والتصالح مع مجتمعها للحفاظ على ماء وجه خطابها المزور، و لتترك لأنصارها وخلانها وأتباعها، هامشا من المناورة للدفاع عن وجهها القبيح بحجة مواجهة الهجمة الأمريكية، الصهيونية، الجنبلاطية عليها وبشخصها على الوطن السوري بالضرب على كل يد يشتم منها أنها تحتمي بخارج ما ولو بالهرب إليه.
بالتأكيد كان السيد فاتح جاموس، محقا، في أن يخاف من التهابات أهلية وحروب داخلية مؤجلة قد تنفجر في دماغه، فيما ـ لا قدر الله ـ وسقطت السلطة الريفية لآل الأسد، لأن مصالح كثيرة قد تذهب أدراج الرياح، داعيا مع غيره الى مواجهة الهجمة الأمريكية بدحر الديكتاتورية دون تغيير السلطة، حتى لو كلف الأمر بقاء هذه السلطة عقودا من السنين أخر، شرط ألا تنتصر الإمبريالية في ملهاة دحر الديكتاتورية لصالح ديمومة الاستبداد في أعتى أشكاله سوءا العائلي العشائري الطائفي، تماما، كما نظر الأخوة في حزب العمل في ثمانينات القرن الماضي لنظرية إلغاء شعار إسقاط النظام في مواجهة الهجمة الرجعية السوداء، في الوقت الذي كانت دبابات وراجمات السلطة بسراياها ووحداتها الخاصة المشحونة طائفيا ـ عفوا ـ ريفيا، تقصف المدن والأحياء وتدمر كل شيء على المدنيين في المدن والأرياف، وتزج بالآلاف من النخب السورية، وبينهم، فاتح جاموس وميشيل كيلو، في اسوأ المعتقلات لأسوأ سلطة فاشية بامتياز .
بشار العيسى