الخميس، أيار 25، 2006

العذر الأقبح

أكتب محرجاً، كنت أتحاشى دائماً أن أعقد المقارنة. كانت كلما جاشت في النفس كبتها تقديراً مني لانتماء أعلى كنت ومازلت حريصاً على صيانته.
الاحتلال الصهيوني وسجونه وقسوته ووحشيته، أبو غريب وما جرى فيه، غوانتانامو وما يدور فيها؛ قلاع الظلم والوحشية تلك أردناها دائماً ـ لمصلحة قومية أعلى ـ المثل الأسوء.
في صراعنا البيني دائماً، نترك حدوداً وخطوطاً. فنحن في النهاية أبناء هذا الوطن، وننتمي إلى هذه الأمة، يهون من يهون، ويطغى من يطغى، وكما قالت العرب من قبل: يدك منك وإن كانت شلاء.
منذ أشهر في برنامج تلفزيوني مع فيصل القاسم قال رفيق بعثي يتمظهر دائماً بالموضوعية لمحاوره المعارض: (أنتم أسوأ من الصهاينة).
كتبت يومها أطالب المعارضين جميعاً ألا يستجروا إلى هذا الموقف. يجب أن تكون الأمة دائماً بعجرها وبجرها ببرها وفاجرها بصالحها وطالحها بمحسنها ومسيئها في صف ويبقى الصهيوني المغتصب للأرض المنتهك للعرض في صف آخر. ثابت ذاك من الثوابت العليا لا يجوز لأحد أن يقاربه أو أن يلتف عليه مقابل مكسب وقتي تكتيكي عارض.
اليوم يفجؤنا الإعلام السوري، يفجؤنا صناع هذا الإعلام وواضعو قواعد خطابه، في التماس العذر لعدوانهم على حريات الشعب وحقوقه الأساسية بما جرى ويجري في قلاع الظلم والوحشية في هذا العالم التي ذكرناها والتي نحب أن نتحاشى ذكرها مرة أخرى.
يقول الإعلام السوري: لا تنكر عليّ القتل أيها القاتل. لا تنكر عليّ الانتهاك أيها المنتهك. إن ما أفعله بشعبي شأن داخلي لا علاقة لك به.
هذا هو فصل الخطاب عند قوم لا يدركون معانيه ومغازيه وتداعياته. تداعياته التي أصر حتى اللحظة ألا أتابع فيها.
أردت فقط أن أنبه إلى أن فعل الأمريكيين في غوانتانامو وأبو غريب لم يكن في حق أمريكيين من بني جلدتهم، وأبناء وطنهم وشركاء الضرورة في الحاضر والمستقبل.
وما يفعله الصهاينة في أرض فلسطين المحتلة لم يفعلوه حتى مع من اغتال رابين رئيس وزرائهم أو مع من خرج على إرادتهم وسير المظاهرات للاحتجاج عليهم، لم يفعلوه حتى مع أكثرهم تطرفاً، وأبلغهم في الجهر بالنيل من قياداتهم.. هم يفعلون ذلك مع من يعتبرونهم أعداءهم وليسوا مواطنيهم. إن ما جرى ويجري في قلاع الظلم والوحشية في هذا العالم لن يكون أبداً إلا العذر الأقبح لمن يريد أن يتعلل به. وهو في الوقت نفسه نوع من القياس الفاسد والمنطق المختل الذي يدل على فساد النفوس واختلال العقول.
ومع هذا الفارق الأساس الذي غفل عنه صناع الكلام في سورية الجريحة لن نسترسل في المقارنة لكي لا نهدم المثل الأسوء الذي نريده أن يظل الأسوأ.
وسنصر على المطالبة بالحرية والكرامة والعدل لشعب سورية أجمع ولكل المعتقلين الأحرار. ننصح الطبيب بشار الأسد أن يقرأ بعد أن يشاهد كل المرويات عن غوانتانامو وأبو غريب مذكرات مواطنة سورية في (خمس دقائق فقط) أو شهادة سجين أردني في (تدمر شاهد ومشهود) أو ولكي نقرب له المسافة أكثر شهادة المواطن العراقي على صفحات القدس العربي وليترك السر بيننا مكتوماً ولنظل نعلن أنما جرى ويجري في سجون الصهاينة أو في غوانتانامو أو أبو غريب هو أبداً الأسوأ.
زهير سالم