الخميس، أيار ٢٥، ٢٠٠٦

سوريون ولبنانيون وقعوا إعلان "دمشق – بيروت"

من مكاسب المعارضة السورية ،كأحزاب وجماعات على الساحة المحلية والعربية وربما العالمية، أنها استطاعت أن تتخذ رزمة من أساليب الخطاب، ارتقت في تحسين مفرداتها، حتى باتت وكأنها قانون مكتوب ينبغي على جميع فصائل المعارضة أن تنبض بها وتتخلق بأخلاقيات هذه المهنة إن جاز التعبير.
بعض هذه الأساليب والمبادئ تكونت من خلال لقاءات نشطة تمت بين مختلف الفصائل على المستوى الثنائي أو على مستويات أكثر عددا. كان من هذه المبادئ ،على سبيل المثال لا الحصر: الساحة السورية تتسع لجميع فصائل المعارضة، فلا يجوز قصر الساحة على فصيل واحد أو اثنين أو أكثر بسبب أنها الأكبر أو الأقدم. ومنها استيعاب الساحة لائتلافات ينبثق عنها تصور أنضج في العمل لإنهاء تفرد النظام: إما بتشجيع النظام ليدخل في ورشة إعادة الديموقراطية إلى سورية، وهو ما يظهر أنه أصبح الآن شبه مستحيل، أو إزاحته عن السلطة بالوسائل المقبولة ( مظاهرات حاشدة، عصيانات مدنية ..... عزله عالميا وحرمانه من الشرعية على المستوى الإقليمي والدولي...).
أما المبادئ التي سعت الفصائل لوضع تصور لها كالخيار الديموقراطي لدولة سورية حديثة بعد زوال النظام الحالي المتحنط، بحيث يكون الحكم تداوليا، تعدديا، لا يقصي أحدٌ أحداً من المشاركة، الكل يشارك على قدر حجمه من خلال صناديق الاقتراع.
أما الأساليب التي اتبعتها المعارضة السورية ،منفردة أوعلى مستوى التحالفات، فلعل أهمها أن تخرج من حيز المحلي إلى حيز الإقليمي، تمثل ذلك بانضمام المثقفين من داخل سورية وخارجها إلى ورشة عمل أوسع، تدعو إلى مؤازرة المعارضين في أقطار أخرى من الذين يعتقلون أو يمنعون من السفر أو يضيق عليهم في حياتهم وأسباب معيشتهم.
وإذا كانت بعض الأنظمة تعتبر ذلك تدخلا في شئونها الداخلية، ،مع أنها ما كانت تجد أية غضاضة في استقبال معارضين من دول شقيقة. إلا أن المثقفين ،على وجه الخصوص، لم يلقوا بالا إلى احتجاجات الأنظمة وماتريده من انغلاق واستفراد بالشعوب. فتوالت المقالات تدعو إلى ضم الجهود للنهوض والرقي والتوسع بأشكال المعارضة حتى تتخلص من محلية العمل إلى إقليميته، الأقرب فالأقرب. وقد كان إعلانا "دمشق –بيروت" "بيروت- دمشق" أقرب وأوضح مثال على هذا التحرك. ومع أنه لم يحصل إجماع كل المثقفين على هذا الإعلان وعارضه البعض القليل، إلا أنه اعتبر أنموذجا لبداية، ولو كانت متواضعة.
ولئن كانت هذه الفكرة الأخيرة واضحة عند المثقفين السوريين واللبنانيين، فإن ذلك لم يكن واضحا عند كثير من الأحزاب العربية والإسلامية في الوطن العربي، حيث ما زلنا نرى كثيرا من تلك الأحزاب تشارك في مؤتمرات لها، تعقد في دمشق لنصرة النظام ، في وقت ما يزال الشعب السوري يئن تحت وطأة قهر النظام واستبداده.
ودون الغمز من قناة هذه الجهة أو تلك، فقد كان تقبل المثقفين السوريين لطبيعة الاختلاف بين ما هو سياسي وما هو ثقافي أكثر، ربما لاتساع الفضاء الثقافي وتضييق النظام للأفق السياسي، ما يجعلهم يؤثرون عدم التوسع كثيرا نحو السياسة حذرا من انتقام السلطة الذي لم يتأخر كثيرا، ما أدى إلى قيام أجهزة الأمن بالقبض على بعض المثقفين السوريين وعلى الأخص ممن وقّع على الإعلان من أمثال "ميشيل كيلو" و"أنور البني" وكان قبلهما اعتقل علي العبد الله وآخرون. ويخشى أن يتوسع الأمر نحو باقي المثقفين.
وضمن هذا الجو ،المؤتلف أحيانا والمختلف أحيانا أخرى بين اللبنانيين والسوريين، فوجئ الوسط الثقافي السوري بالهجوم غير المبرر الذي شنه الأستاذ "جهاد الزين" الصحفي اللامع في صحيفة النهار البيروتية على قائمة المثقفين السوريين الذين وقّعوا على إعلان "دمشق-بيروت" معترضا على ضم، إلى تواقيعهم، توقيعَ "على صدر الدين البيانوني" المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين في سورية. ولو كان المعترِض سياسيا لهان الأمر، لكنه للأسف مثقفٌ كان يرفض إقصاء الآخرين، وعانى في عهد الوصاية من الإقصاء ما عانى.
إن إقصاء الآخر رذيلة تمارسها الأنظمة الأحادية أكثر مما يمارسها المثقفون. لأن هؤلاء يعتبرونها نوعا من انغلاق الأنظمة على أنفسها بسبب أحاديتها المقيتة التي لا تقبل إلا من كان معها وعلى طريقتها. واستطرادا فإن فكرة طرح أي بيان لجمع التواقيع المؤيدة له، لا تقبل الشطب والغربلة لأنه يتم تداوله إلكترونيا عن طريق تمريره من خلال بريد الكتروني أصم أبكم أعمى إلى بريد إلكتروني آخر يتداوله السامعون والمتكلمون والمشاهدون. وهذا البريد لا يحابي رأيا على حساب رأي، ولا شخصا على حساب آخر، فكيف يريد الأستاذ جهاد الزين أن يتم شطب توقيع "البيانوني"؟
ومع عتبنا الشديد على ما ورد في مقال الأستاذ "جهاد الزين" الذي جاء خارج السياق، أو قل إنه خروج على النص، فلا نريد أن نتوسع كثيرا في تضخيم الغلط الذي وقع. فنحن نعتبرها كبوة جواد وزلة لسان غير مقصودة على الغالب، خصوصا وأن علاقة الزين مع البيانوني ليست في أسوأ حالاتها، بل هي إلى المودة أقرب.
ومع ذلك ، وحتى لا يبقى الموضوع دون جلاء، فلا بد من الإشارة إلى ما ورد في مقال الأستاذ "الزين" في قضايا النهار يوم الأربعاء 17 أيار "مايو" وما حوى من نقدٍ ل"جبهة الخلاص" التي شارك في تأسيسها كل من البيانوني وعبد الحليم خدام زاعما أن: (الجسم الأساسي للمعارضين المقيمين في دمشق تبرأ منها –أي الجبهة- عبر بيانات معلنة)، ما جعل الذين قرأوا المقال يدركون أن لبسا وقع فيه "الزين" يقتضي إلقاء الضوء عليه:
فقد أشاع واحد ،ممن يزعم أنه رئيسٌ لحزب سوري معارض، ( لا يحضرني اسم الحزب لكثرة الأحزاب التي نبتت في المهجر السوري كما ينبت البقل في مجاري السيل) أن"حسن عبد العظيم" الناطق الرسمي باسم التجمع الوطني الديموقراطي -هو تجمع لخمسة أحزاب تعمل من داخل سورية وتعارض النظام- صرح بأنه تم تجميد عضوية "الإخوان المسلمين" في تجمع قوى "إعلان دمشق". وقد تبين أن هذا الزعم مجرد اختلاق.
بل إن "أخبار الشرق"التي تصدر من "لندن" أكدت أن " عبد العظيم" نفسَه، نفى أن يكون أي بيان صدر عنه، وليس ثمة ناطق رسمي باسم "إعلان دمشق". إذن فلابد أن شيطانا نفث في أذن المروجين لهذا الافتراء. وإذ لم توجد هذه البيانات وتأكد ذلك للأستاذ "جهاد الزين" فقد أصبح حقا أن يسجل اعتذاره في نفس الصفحة التي اتهم فيها بدون دليل.
وإذا كنا لا نريد أن نستعرض كل ما جاء في مقال الأستاذ جهاد الزين، -حيث عالجناه في مقال آخر- حيث يبدو الانفعال واضحا في ثناياه بسبب الفرية التي أطلقها زعيم الحزب المزعوم إياه، فإنا كذلك لا نلوم الأستاذ "جهاد" عندما يتحسب لمصيرٍ مثل مصير الراحل "جبران تويني" الذي كتبْتُ وكَتَبَ غيري من الإخوانيين مستنكرين لجريمة اغتياله. ولكن يبقى أن على الإنسان مهما تحسب لوقوع ما ليس في الحسبان، أن لا يخرجه الحذر إلى أن يقع في أقدار الرجال بما لا يليق بحق هؤلاء الرجال الأعلام.يبقى أن نتساءل: من يحق له أن يحظر توقيع من أراد أن يضيف اسمه إلى قائمة بيان دمشق – بيروت، ولمصلحة من يتم الحظر؟ وهل فوض أحدٌ من المثقفين -على ضفتى جبل لبنان الشرقية والغربية- الأستاذَ جهادَ الزين حتى يقولَ ما قاله في حق الأستاذ البيانوني؟ وهو ،على كل حال، ليس بالأمر الهين حتى يتم في مثله التفويض
الطاهر ابراهيم