الخميس، أيار ٢٥، ٢٠٠٦

أيام طروادية في سورية ...!.(1)

يبدو أن الزمن في سورية لازال يقف إلى جانب الإستبداد والطغاة ومن معهم ومن يسانهدهم في تشويه سورية, ويبدوا أيضا ً أن النظام وعملاؤه يعملون بكل حقدهم على دفع المعارضة السورية في شتى فصائلها بأن تقف في جانب الفشل ,حيث يستمر النظام الفردي في تنفيذ هوايته الشريرة في قمع وملاحقة وسجن كل الأحرارالمدافعين عن حرمة الإنسان وحقه في التعبيرعن رأيه وتطلعاته وحرصه على حماية الوطن في هذه الظروف العصيبة التي تمربها سورية ,حيث الحرائق تشتعل في كل مكان تحت الرماد وبدون رماد , وبين طبقات دخانها الكثيف وغياب المحاسب والرقيب يستمر في أداء دوره المنحرف وبالضد من إرادة الشعب وإرادة الحياة ,على مبدأ فرعون الذي تمادى في ظلمه وجبروته وبدون رادع وطني أو أخلاقي أوإنساني وكأن الجميع أصابهم الملل والشلل وغابوا عن التأثير وليس هناك من يستطيع وضع حد لهذا الجنون الذي يصرالإستبداد على حصر الشعب في ثناياه المرعبة , يعيد إنتاج تخلفه ووحشيته بغياب الشعب وغياب المعارضة عن ساحة الفعل والتأثير ,وأصبح الجميع لضرباته ومطرقته لاحول ولاقوة أشبه بأسير, يبدوللبعض حيا ًوقويا ً لكنه في حقيقة الأمر يلفظ نفسه الأخير.
من أين نبدأ من واقع الشعب المعاشي الذي لامس فقدان الكرامة الإنسانية أم من السجون والزنازين أم من الماضي المرعب الذي رسم ملامح الدولة الأمنية والتي دفعت الوطن باتجاه التمزيق والطائفية والحرب الأهلية بصمت مخيف , أم من الحاضرالأكثررعبا ً الذ ي يدخل النظام المنحرف في طورالدولة الأمنية الثاني ومايرافقه من انتهاك وخنق لحرية الشعب وانتهاك حرماته والعبث بحاضره بشكل مهين , الكل تائه والكل متفرج والكل فقد توازنه أمام ضربات الإستبداد المتلاحقة والكل عاجزعن تحديد نقطة البداية , والكل قد أعمى عينيه دخان النظام الذي يشعل الحرائق الوطنية والإجتماعية والطائفية في طول البلاد وعرضها ,والكل يجُّره النظام المستبد في متاهته وفي خداعه لكسب الوقت وترتيب أوراقه والإنقضاض على الشعب من جديد .
طالت قوائم الموت والرعب وانتهاك حرمة الإنسان من مجزرة جسر الشغور إلى مجازرحلب إلى مجزرة حماة إلى مجزرة تدمر إلى المقابر الجماعية إلى اعتقال عشرات الألوف في عموم المحافظات السورية في الثمانينات إلى عشرات الألوف من المفقودين الذين لايعلم أطفالهم وذويهم أهل أموات أم أحياء منسيين في الزنازين لأكثرمن ربع قرن, إلى اغتيال كل الرموز الوطنية في سورية وخارجها إلى اغتيال صلاح الدين البيطارإلى اغتيال بنان الطنطاوي إلى اغتيال كما ل جنبلاط ورموز الحركة الوطنية اللبنانية والفلسطينية إلى كسر العمود الوطني لسورية من قبل سياسة الأب حافظ أسد واتباع سياسة القمع بلا حدود سياسية أو اجتماعية أو طائفية التي أرخت ستار الموت على عموم أبناء الشعب .
واليوم تدخل الدولة الأمنية في طورها الثاني بعهد الأسد الإبن وتعيد إنتاج نفسها ولكن هذه المرة أكثرخداعا ًمن قبل , لأن الإبن تنقصه مهارة الأب السياسية الخبيثة ,تجاوزها الإبن بمظهرالإنسانية والإنفتاح وحتى تبني مطالب المعارضة في بعض الأحيان, تجاوزها بادعاء الإصلاح والإنفتاح وإطلاق
بعض الحريات وهما ًوخبثا ً حتى تعوم بعض القوى السياسية والشخصيات الوطنية في هذا الوهم الذي أشاعه النظام وتسبح في سنتيمترات من الحرية المقصودة لينقض عليها من جديد ذئبا ً جائعا ً طائشا ً مجسدا ً في سلوك قمعي واحد على الدوام ,كيف لا وبشار ابن أبيه وابن هذه الدولة الأمنية المارقة والخارجة عن المألوف الإنساني والسياسي والإجتماعي التي دمرت البلاد وأهلكت العباد , دمرت الوطن بكل دياناته ومقدساته وطوائفه وخطوط إيمانه ونسيج وحدته وأوصلته إلى مرحلة التفكك والإنهيار, وآلة الموت الشابة هذه المرة تحصد بطيش على كافة الإتجاهات الداخلية والخارجية , انفتاح داخلي تنفيسي بسيط واغتيالات على شتى الجبهات, نفس المشهد اللئيم يتكرروالجريمة تتكرر وقادة الإستبداد حرفيّون في الجريمة وهي من طبعهم وطبيعتهم , وفي سورية ولبنان وعموم الساحة الوطنية والقومية التي يعتبرها الجلادون ساحة واحدة لتنفيذ مخططاتهم المشبوهة وجرائمهم النكراءواستمرارتنفيذ لعبة الموت بدون حياء, تستمر الجريمة في عهد ديكتاتور صغير كما كانت في عهد ديكتاتور كبير ,وتستمرسلسلة الإغتيالات من الضحايا السابقة إلى ضحايا جدد لاحقة إلى اغتيال رفيق الحريري إلى جورج حاوي إلى سمير قصير إلى الشيخ معشوق الخزنوي إلى جبران تويني, إلى عودة حصّادة العنف في سورية والتي تسلسلت فيها الإعتقالات العشوائية في ظاهرها , والسلوكية في باطنها وكأن هذه العصابة التي حكمت وتحكم سورية هي بالضد من القوانين البشرية العامة وطبيعة الإنسان وأقرب إلى طبيعة الكائنات غير الإنسانية الشريرة العدوانية ,حيث هي لاشعورتكويني في بنيتها البيولوجية والسيكولوجية الشاذة والغريبة , لاشعوروحشي يجدد سلوكها عكس خواص السلوك الإنساني التي تكبح الشعورالشرّيرفي ارتكاب الجريمة ,النظام جريمي بالوراثة وممارسة العنف تطابق فيها وعيه وجهله ولاوعية وعدوانيته تلك هي صفات المجرمين عبرالتاريخ.
سورية حائرة بين ثنائية إستبدادية تبادلية تتكرروكأنها أصبحت قانون في هذه الفوضى الدموية والسياسية والأخلاقية والإجتماعية التي تعصف بها على الدوام, وبين هذه الإعتقالات المستمرة الإنتاج الوحيد المتقن للإستبداد الذي أصبح خبزهذا الشعب الجائع إلى الحرية وإلى العدل وإلى الخروج من عنق زجاجة الإرهاب الحقيقي الذي يمارسه النظام المارق ليل نهار ,مضمون إرهابي ثابت يختلف في شكل وعدد ضحاياه فمن ضحايا الأب إلى ضحايا الإبن ,إلى كمال لبواني ومحمد الغانم ومحمود أبو النصر وعدنان خليل رشيد ووحيد جهاد مصطفى وجهاد محمد علي وعلي العبدالله وولديه ومحمد ريحاوي ومطيع منصور ومحمد بشير الصالح وجهاد درويش وحازم جهاد درويش وحسين داود وحبيب الضعضي وهاني خيزران وفاتح جاموس وميشيل كيلو ومحمود مرعي ونضال دورويش وأنور البني وكمال شيخو وغالب مراد ومحمود عيسى وصفوان طيفور وحسين محمود ومحمد محفوض وخليل حسين و.....لاتزال الإعتقالات مستمرة على قدم وساق ومن مختلف زوايا الوطن والتهمة الوحيدة التي يرتكبوها هي التي لايقدرالطغاة على فهمها أو ممارستها ,هي حب الوطن والشعب والإخلاص لهما في زمن الكراهية والقهر والظلم ,يمارس القمع في ساحة عربية تصمت على جرائمه حينا ً وتساعده حينا ً آخر وتغطي له جرائمه في معظم الأحيان , يساعده في تعميم جرائمه هذا السيل الدموي الهمجي في هذا الشرق الحزين وعلى مايبدوا سيبقى حزينا ً حتى إشعارا ً آخر .
د.نصر حسن