الثلاثاء، نيسان ٢٥، ٢٠٠٦

كم ينبغي أن يكون طول لحية المسلم حتى لا يصنف إرهابيا؟

أوراق من دفاتر المخابرات *:
في كل يوم ترد الأخبار من سورية، تتحدث عن اعتقال مجموعات إسلامية، بعضها تسمى سلفية، وأخرى تكفيرية، وثالثة من جند الشام. بعض هذه المجموعات تجاوز العشرات، ولا أحد يستطيع أن يؤكد أو ينفي إن كانت هذه المجموعات تآمرية أو ينطبق عليها ما وصفته بها أجهزة الأمن، أو حتى ما نسبتها إلى اسمها الذي اعتقلت به؟.يمكننا أن نقول أن تغيرا ما قد حصل في أمور كثيرة منذ مات الرئيس "حافظ أسد".ولكن ما يقال أنه بقي على حاله ولم يتغير، هو تعاطي أجهزة الأمن مع حالات الاعتقال التي تجري بشكل يومي. نحن السوريين الذين نعيش في المنفى نعرف حالات مما كان يجري لمعتقلين لم يكن أحدهم يعرف ماذا تعني كلمة السياسة، فاسمحوا لي أن أخرج عن النص قليلا:النقيب "إبراهيم اليوسف" قاد ،في صيف عام 1979 ،هجوما على مدرسة المدفعية قتل فيه أكثر من سبعين طالب ضابط كلهم من العلويين. ومع أن عملية كهذه مدانة لا تقرها شريعة ولا قانون، فقد كانت رد فعل طائفي عنيفا على فعل طائفي أعنف كرسه الرئيس حافظ أسد عندما سلم مفاصل الدولة إلى رموز عسكرية طائفية، جعلت أهل السنة يشعرون بهذا الأمر على أنه تهميش للنسيج السوري بأكمله وليس لأهل السنة فحسب ( كانت مدرسة المدفعية في ذلك التاريخ تضم 300 طالب ضابط منهم 270 طالب ضابط علوي).وعقب حادثة "مدرسة المدفعية"قامت أجهزة الأمن بكافة مختلف مسمياتها تبحث عن النقيب "إبراهيم اليوسف". وفي طريقهم هذا اعتقلوا والد النقيب وزوجته وأخويه وأصهاره ومختار حارته، وكل من يمت له بصلة، وشرعوا بالتحقيق معهم. أحد أصهاره كان يبيع الخضار على عربة صغيرة، لا يعرف من شئون السياسة إلا أن أخا زوجته نقيب في الجيش، يعني أنه "مدعوم". وعندما جيء به إلى قبو التحقيق، وُضِع في دولاب "جنط 14" وانهال الزبانية عليه ضربا بأكبال الكهرباء قياس 25 مم، وهو يصرخ ويتوسل ( دخيل ألله دخيل الرسولا محمد دخيل الأنبياء دخيلكم ) ... ( أبوس أيديكم أبوس أرجلكم أبوس أحذيتكم أبوس.....). وعندما وجد أن آذانهم صماء لا تسمع استغاثته، جاءه الإلهام الرباني. فقد تذكر أن أخا زوجته ضابط برتبة نقيب في الجيش (كان حتى هذه اللحظة لا يعرف لماذا جيء به ولماذا يضربونه؟)، فقال بأعلى ما تبقى من صوته، "ولك خيو أنا صهر النقيب إبراهيم اليوسف"، وكأنما أصاب الزبانية مسٌ من الجنون، فلم يتركوه إلا وهو بين الموت والحياة.ما أوردته آنفا، لم يكن من نسج الخيال فقد كان "أبو أحمد" جاري في "القاووش" في سجن حلب المركزي. وهو رجلٌ أميٌ لا يقرأ ولا يكتب، والسياسة عنده هي طريقته المحببة في النداء بصوته الذي يجذب الزبون لشراء والبندورة "الطماطم" والخيار والبقدونس والخس (أي عدة السلَطة" بفتح اللام لا بسكونها)، فأي سياسة هذه التي يُضرب عليها أمثال "أبو أحمد" حتى ولو كان قريبه "هتلر" في أوج سلطته وصولجانه؟ما أثار في نفسي كل هذه الشجون مقالٌ كتبته الكاتبة البارعة "رزان زيتونة" تحت عنوان "متطرفون، ضحايا تطرف" نشره موقع "الرأي" الإلكتروني يوم السبت 22 نيسان الجاري حول تزايد حملات الاعتقال في أوساط ما يسمى "بالإسلاميين المتشددين" في سورية، وما يصيب هؤلاء – أعمار معظمهم بين العشرين والثلاثين سنة- من تعذيب وتنكيل. لا أريد أن أقتبس كثيرا مما جاء في المقال، فهو متاح على الموقع المذكور. ما أود الإشارة إليه أن اعتقال هؤلاء ،الذين كثر عددهم في الأشهر الأخيرة، ليس قضية أمنية، بل سياسية تتعلق بالموقف الشائك الذي يطوق بمضاعفاته النظام السوري وما يتهدده من اتهامات له بتأييد الإرهاب. وكأن النظام ،باعتقاله هؤلاء، إنما يقول لواشنطن: كيف أؤيد الإرهاب وأنا ضحية له؟ مع أن واشنطن تعرف "البير وغطاه" عن النظام السوري، يوم كان موغلا في إرهاب الشعب السوري والشعب اللبناني، وهي صامتة صمت الموتى في القبور. ما لا يعرفه الكثيرون وتعرفه واشنطن أن بعض النافذين في السلطة – لغرض في أنفسهم وليس وطنية- كانوا قد شجعوا بعض مشايخ السلطة لتجنيد الشباب المتحمس في سورية للقتال في العراق. وقد اعتقل الجيش الأمريكي البعض من هؤلاء وحققوا معهم، ووصلوا إلى أسماء بعض هؤلاء النافذين الذين لم يكن يهمهم حرية العراق ولا حرية شعبه.المؤلم في الأمر أن هؤلاء الشباب كانوا ضحية لمن ورطهم. وما كان يميزهم عن غيرهم من الذين كانوا يحضرون معهم صلوات الجماعة في المساجد، إلا أنهم لم يستطيعوا إخفاء حماسهم للإسلام أثناء الحديث عن الهجوم الأمريكي على العراق. كما أنه أرخوا لحاهم وتركوها تنمو كمظهر من مظاهر التدين في الإسلام وغيرهم حلقها. كما أنهم لم يكونوا على دراية في سياسة الواقع الراهن ما يجنبهم أحابيل أجهزة الأمن، فكانوا صيدا سهلا بين أيدي أجهزة المخابرات التي أعطيت لها التعليمات لجمع المتحمسين من هؤلاء. وهؤلاء الفتية كانوا من البساطة بحيث وثقوا بالواعظ، الذي كان إما مغررا به مثلهم، أو مجندا من قبل أجهزة الأمن. ومن دون بحث أو تمحيص يستطيع المدقق أن يؤكد أن هؤلاء ليسوا من التكفيريين، كما تزعم تقارير أجهزة الأمن. فهذا المصطلح غير معروف في سورية، وقد شاع استعماله بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 . وقد توسعت أجهزة الأمن من أجل ما يقتضيه الظرف الدولي، وما تتطلبه واشنطن التي مافتئت ترفع وتيرة محاربة الإرهاب لتبتز به الدول الإسلامية. ما لا يدركه النظام أن اعتقال هؤلاء ممن غُرر بهم، -وإن ظهروا أنهم سيؤدون منفعة مؤقتة للنظام- سوف يكونون عبئا عليه في مواجهة استحقاق مؤسسات حقوق الإنسان العالمية والمحلية التي نشطت مؤخرا بإصدار نشرات بحق من اعتقل من دون محاكمة.ما أود أن أختم به، هو أن اللحية إحدى سنن الإسلام، وحلقها لا يخرج من الملة، وإطالتها ليس علامة على أن صاحبها إرهابي. وإذا كانت أجهزة أمن النظام تعتبر إطالتها دليلا يمكنها من توجيه الاتهام لصاحبها، فلأنه ليس لديها ما تتهم به صاحبها. ما لا نعلمه حتى الآن ما إذا كانت أجهزة المخابرات قد وضعت قياسا محددا لطول لحية الشاب تعرف به مدى الإرهاب الذي يتمتع به تبعا لطول لحيته؟
الطاهر إبراهيم
*سلسلة مقالات كنت بدأته قبل ثلاث سنوات، ثم توقفت عنها لتغطية بعضا من المتغيرات