الأحد، نيسان ٢٣، ٢٠٠٦

لعنة ....اسمها الطائفية ...

المتابع للصخب والجدال السياسي على ساحة المعارضة السورية في الفترة الأخيرة , يرى بوضوح دفع اللون الطائفي إلى الواجهة ,وعزف النبرة الطائفية بمناسبة أوبدونها , وهذا للأسف الشديد هومايريد نظام الإستبداد ومن معه أن يجرالمعارضة إليه وحصرها في هذه الإحتمالات الغير وطنية والغير مفيدة في سياق تطور الحوار السياسي , بل المربكة والمضرة بسير التفاعل الديموقراطي الذي هو البداية الصحية والصحيحة لفهم وتفاهم الجميع مع الجميع , وتحصيل حاصل تبني خيارات النظام الطائفية البغيضة التي سارعليها لسنين طويلة ,متمثلة ًبشكل عملي في تثبيت الطائفية السياسية كمنهج حددت شكل الحكم وطبعت ممارساته السياسية على مستوى إدارته وعلاقاته مع الشعب في الشكل والمضمون والأدوات , وأيضا ً على مستوى شبكة علاقاته العربية والإقليمية , وهذا موضوع عاشه ويعيشه وعرفه ويعرفه الجميع وبأبعاده كلها ,ودفعت المعارضة والشعب ثمن التصدي لهذا المشروع الطائفي عشرات الألوف من أبناء الوطن قتلا ًوسجنا ًوتشريدا ًوتخلفا ً وفقرا ًوفسادا ً أوصل سورية إلى هذه الصورة المنهارة وفي هذه الظروف الخطيرة داخليا ً وإقليميا ً وعربيا ً حيث المشاريع الطائفية أصبحت عنوان المرحلة, رغم كل هذا التردي يعمل البعض بإصراروبدون كلل ولا ملل على شحن الطائفية والخوف من جديد ورعاية هذه الآفة المدمرة لإنسانية الفرد ووحدة الوطن , وجعلها الخيارالوحيد الذي لامفرمنه للحاضروالمستقبل أيضا ً , وهنا يكمن الخطروالقلق على المستقبل , بيد أن الحرص على الوطن والعقلانية والموضوعية تفرض الخروج من الظلام واللعب على المكشوف والعودة للوعي والسلوك الوطني المنقذ الوحيد في هذه الظروف التي يصفها الجميع بالخطورة والكارثية على سورية .
والخطورة تختبئ وراء من يدعي ظاهريا ً بأنه ضد الإستبداد ومع التغيير لفظيا ً لكنه عمليا ً لم يحسم أمره بعد وقد لايحسمه قريبا ً لأنه لم يستطع لعوامل كثيرة أن يخرج من قوقعته الضيقة إلى صدر الوطن الرحب الواسع,و ليس هناك تفسيرمن إعاقة عمل المعارضة سوى خدمة الديكتاتورية والحفاظ على استمرارها بهذا الشكل أو ذاك وعن حسن نية أو بدونها , وحيث أن بعض الذين يتظاهرون بالخوف من المستقبل بعد التغيير هم بشكل أو بآخر يقرأون الأحداث من مواقع الإستبداد ,والكل يعرف أن الخوف له مصدر معين يفرض نفسه على الفرد والمجتمع , هذا الخوف بحالته العامة المجتمعية يمثله النظام الغير شرعي والإستبدادي وهو الذي يحرك الشعب وكل فصائل المعارضة الوطنية والديموقراطية التي اتفقت وعبر كل نشاطاتها وتوافقاتها وتحالفاتها على حتمية التغييروإسقاط الإستبداد , وذلك عبرالعمل الجماعي الذي حدده إعلان دمشق أولا ً وجبهة الخلاص الوطني ثانيا ً والإثنين موحدين لاحقا ً ثالثا ً للوصول إلى برنامج محدد ورسم واضح لمستقبل سورية بعد التغيير, وبالتالي نزع فتيل الخوف الوطني المشروع من حدوث الفوضى والإنزلاق في سراديبها , و العمل والحفاظ على تثبيت الأمان والإطمئنان وتنمية عوامل الشعور الوطني والتسامح والحفاظ على السلم الأهلي والإجتماعي والوحدة الوطنية لدى عامة الشعب ,وهذا النوع هو خوف مشروع له مصادره وله عوارضه ويمكن إلغاؤه بتصميم كل أطراف المعارضة على وضع البديل الآمن له, لكنّ خوف من يخلطون الأولويات وينقلون مستوى الحوار من العمل على إسقاط الإستبداد إلى تبني الخوف الذي يريد النظام تثبيته وهوخيار الفوضى والإرهاب والحرب الأهلية , وبشكل مباشر هو خوف من نوع آخر....! ولعل بعض مايدورهنا وهناك من مؤتمرات وطاولات , وبعض ذلاّت العقل واللسان وما يمارس من تشويه الحقائق من قبل بعض المواقع التي لاهم لها سوى التمسك بحبال الديكتاتورية المقطوعة همسا ً وعلنا بخلط الأفكار والمواقف وقراءة نوايا المعارضة وقراءة كفوف أفرادها , وتقطيع وإعادة تجميع التصريحات من هنا وهناك وإخراجها متطوعةً ومجانا ً والتصريح بها لوسائلها الإعلامية وإيهام البعض بأنها ناطق رسمي أو شبه رسمي باسم هذه الجهة أو تلك , وعرضها على أنها مواقف لهذا الطرف أو ذاك في محاولة غير نزيهة وغير نبيلة لجر الحراك السياسي الوطني إلى التصادم لتضييع وقت وجهد وهدف المعارضة , وإطالة عمرالديكتاتورية بهذا الشكل أو ذاك ,وفي سلوكها الواضح والمؤشر من قبل كل أطراف المعارضة, والإصرارعلى ضياع الوقت وبما يوحي بأنه لا عمل آخر لها , في هذا السلوك مايقول بأن الخيار الديموقراطي التعددي الذي تبنته كل أطراف المعارضة وبشكل واضح إعلان دمشق وبعده واستمرارا ً له وبشكل عملي جبهة الخلاص الوطني يبدو أنه غيركاف ٍ لطرد الخوف من العقول والكراهية من القلوب...! وبالتالي تطابق خوفهم مع خوف النظام شاؤا أم أبوا بسوء نية أحيانا ً وبحسن نية في معظم الأحيان , علها تكون الوريث أو الوجه الآخر أو الشريك للديكتاتورية عندما تحين لحظة رفع الأقنعة السياسية وظهورالوجوه بلونها الحقيقي .
والخطورة أيضا ً هي في كون إعلان دمشق يعيش تحت ظروف أمنية لا يحسد عليها ولاتمكنه من مواكبة تطور الأحداث وتحديد موقف صريح منها لأن ليس له هيكلية تنظيمية وإنما لجنة مؤقته فرضتها ظروف القمع والإستبداد , ,مما جعل بعض مؤيدي الإعلان وبمنطق الوصاية أن يتكلموا باسم الإعلان مستغلين وضعها الأمني والحصار الإعلامي عليها وبدون تفويض يعبرون عن مواقفهم ومخاوفهم والتي لاتتوافق بالضرورة مع مواقف ومخاوف إعلان دمشق , وبالتالي جر الحوار باتجاهات لاتنسجم مع الإعلان عبر فرض رؤاهم على الآخرين وتطعيم الحوار بملابسات وتناقضات وتفسيرات لا تمت بصلة لإعلان دمشق كما صرحت لجنته المؤقتة أكثر من مرة .
والغريب أيضا ًأن الهدف المركزي وهوالإتفاق على التغييرالجذري الشامل الذي هوالعمود الفقري للإعلان والذي اتفقت عليه كل أطرافه,والكل متفق على أن هذا يعني تغيير النظام سواء ًتم التعبير اللفظي اللغوي بكلمة إلغاء أوإسقاط أوتجاوزأودحرأوأسرأوهروب أواستقالة أوتسليم الحكم إلى أصحابه الشرعيين أو.. وكلها تصب في معنى واحد وهوتغييرالنظام , لكن التمسك بكلمة عائمة واحدة أو تمريرالكثير من المصطلحات والكلمات الإشكالية وبمعنى مناقض للإعلان ! هنا يكون التفويض ضروريا ً وكتابيا ً.
والأغرب من ذلك هو محاولة زرع الوهم لدى أطراف المعارضة بأن إعلان دمشق هو الممثل الشرعي والوحيد للمعارضة السورية وبالتالي توزيع صكوك الغفران والوطنية والديموقراطية على هذا الطرف أو ذاك , وأن الهدف من الحوار هو ليس العمل على تطوير أداء المعارضة وبرنامجها باتجاه إسقاط الإستبداد ويقتصر على إعطاء الأوامر والتحذيرات ووضع الخطوط والتخييرات بين فصائل المعارضة لفصلها عن بعضها وتفريقها وإضعافها في مواجهة الديكتاتورية والإنحراف , بدل البحث عن عوامل تجميعها ووحدتها وتقوية وتصليب موقفها وصولا ً إلى إسقاط الإستبداد , واستطرادا ً يصبح هذا السلوك وهذه الممارسة انحدارا ً في العمل الوطني إلى مستوى سلوك الإستبداد ونقل أمراضه وعقده إلى ساحة المعارضة وبالتالي الإلتفاف على إعلان دمشق وجبهة الخلاص الوطني والشعب وخيار التغييروكل توافقات المعارضة إلى خيار الخوف والتبريروالخدمة المجانية للإستبداد وإطالة عمره في العبث بالشعب وإفقاره واستمرارمأساته وإهانته ودفع سورية إلى المجهول الخطير .
والغرابة كلها تكمن في استمرارالجدل حول عبد الحليم خدام وهو في صف المعارضة ويقدم كل جهده في سبيل تطويرعملها الآن , وكأنهم يريدون أن يحاصروا هذه الخطوة الشجاعة ويقطعوا الطريق على الكثيرين من الشرفاء الوطنيين الذين ينتظرون اللحظة المناسبة للإنضمام إلى صف الشعب والمعارضة وهذا أولا ً وأخيرا ً هدف النظام , وهنا لسنا في معرض الدفاع عن أحد ولكن كل أطراف العمل الوطني تعرف من هو عبد الحليم خدام وما هو دوره في نظام فردي ديكتاتوري يقرر أرزاق الناس وشكل حياتهم ويحصي أقوالهم وأنفاسهم ويحدد أعمارهم , وبكل الأحوال إن ماضي الرجل هو في الماضي ونحن الآن في الحاضرالمخيف ونتطلع إلى مستقبل بلا خوف وهذا يتطلب من جميع الحريصين على العمل الوطني ووحدة الشعب والوطن أن ينظروا إلى الواقع بعقلانية وأن تكون المصلحة الوطنية هي المقياس الوحيد التي تنظم عمل المعارضة وأن هناك الكثير من الأمور التي هي من اختصاص قضاء حر عادل ونزيه سوف يقول كلمته في المستقبل , وأن الذين يدفعون إلى السطح رغبات الإستبداد وفاسديه بوضع أطراف المعارضة في حالة الصراع البيني ووضع العوازل والقيود على تفاعلاتها والمستحيلات بين أطرافها , هم بالمحصلة الوجه الآخر للديكتاتورية يقولون ماتقول ويمارسون ممارساتها ويحاكمون أطراف المعارضة بدلا ًعنها ويتبادلون مخاوفها ووساوسها .
بقي أن نقول : أن من الأولويات الذي يجب أن يمارسه كل أطراف المعارضة هو محاربة هذا النهج والحذر من الإنزلاق إليه لأنه نفق مظلم بلا نهاية وفيه يضيع الجميع أولا ً والطائفية مرض خطير وموجود في سورية وفي الكثيرين بهذه النسبة أوتلك لأننا من هذا الواقع الذي تحكم الإستبداد بمحدداته وغذى الطائفية فكرا ًونهجا ًوسلوكا ً لسنين طويلة وأوصل الإحتقان الطائفي إلى مستوياته الرذيلة ثانيا ًوحان الوقت للذين يخافون على الوطن وليس على مصالح ضيقة محددة أن يكونوا جريئين بطرح أفكارهم المخفية ونقلها من (الصرّة ) الطائفية إلى فضاء الحوار الوطني ثالثا ً وهذا يفرض مراعاة الصدق مع النفس والآخرين بضرورة الإعتراف بهذا الواقع لا لإقراره بل لمعالجته وطنيا ًوفرزالأمور باشتراك الكل الوطني حتى لايذهب الصالحون بجريرة الطالحون رابعا ًً وأن المعارضة السورية ممثلة بإعلان دمشق وجبهة الخلاص الوطني وكل الحريصين على الوطن برامجها معلنة وظاهرة وعناوينها واضحة ومساحة تحركها الوطن كله خامسا ً وأن مسيرة الحياة إلى الأمام دائما ً بغض النظر عن رغبات الإستبداد ومن معه وهواجس الإنتقام ومن يغذيها ووساوس الخلود وغباء الديكتاتورية على مرالأيام والعهود أخيرا ً .
د نصر حسن